ابن الجوزي
102
بستان الواعظين ورياض السامعين
الطيران ، فكادت نفسك أن تزهق من خوف الرحمن ، فإذا نظر الملك الموكّل بسوقك وقد تغير لونك وتحير لبك ، علم أنك أنت المنادى باسمه فإذا كنت من أهل النفاق ، والعصيان للملك الخلّاق ، نظر على وجهك ظلمة الذنوب ، فعلم أنك عدو لعلام الغيوب ، فجمع بين ناصيتك وقدميك ، غضبا لغضب اللّه عليك . [ 173 ] أهل الرشاد والتوفيق قال اللّه تبارك وتعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [ الرحمن : 41 ] وإن كنت من أهل الرشاد ، والتوفيق والسداد ، الذين وفّوا اللّه بالميعاد ، وخافوا مولاهم ربّ العباد ؛ أخذ بيدك الملك وقادك ، يجوز بك بالرفق ورفع الخلائق أبصارهم إليك ، وتمنوا مثل ما من اللّه عليك ، وأنت سائر إلى ربك ليجازيك بسعيك ، ويعدل عليك بكسبك ، فلما انتهى بك الملك إلى سلطان العظمة ، فإن كنت من أهل السير الصالح في الدنيا سترك جل جلاله بالنور ، وأبدى لك البشرى والسرور ، وقربك وأدناك ، وفضلك وحاباك ، فلم يطلع على حسابك ملك ولا نبيّ ولا رسول ، إلا الملك الجبار الذي لا يحول ولا يزول ، فيقول لك : عبدي أنت الذي كنت تسهر والعباد نائمون ، وتصوم والعباد يشبعون ، وتبكي والعباد يضحكون ، وتحزن والعباد يفرحون ، وتخافني والعباد آمنون ، أنت الذي كنت تجتهد في عبادتي والعباد بطّالون ، وتتصدق والعباد يبخلون ، وتبذل المعروف بين عبادي والناس يمنعون . يقول المولى جل جلاله : فوعزتي وجلالي وملكي ومجدي وكبريائي وعظيم سلطاني وقدرتي على جميع العباد لأومنن روعك ، ولأبيحنك جنتي ، ولأوسعنك مغفرتي ورحمتي ، ولأعطينك من جزيل ثوابي وحسن مآبي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ولأبيحنك النظر إلى وجهي ، ولأرفعن قدرك وجاهك ، ولأشفعنّك في إخوانك وأهلك وأحبابك وجيرانك من أهل الذنوب والخطايا . [ 174 ] شفاعة العبد المؤمن يقول المولى جل جلاله : يا عبدي أخرج إلى موقف الحشر فانظر إلى من لقيني من أهل الذنوب على التوحيد قد شفعتك فيه خذ بيده وانطلق به إلى الجنة